أحمد بن محمود السيواسي
36
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
واعملوا لآخريكم ( إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ ) على ترك الأهل والمال والأوطان وتلقي البلاء والشدة منه ( أَجْرَهُمْ ) في الآخرة ( بِغَيْرِ حِسابٍ ) [ 10 ] أي بغير مكيال هو حال من ال « أجر » ، يعني موفرا . [ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 11 إلى 12 ] قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ ( 11 ) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ ( 12 ) ( قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ ) [ 11 ] أي التوحيد ( وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ ) [ 12 ] في زماني أو من أهل بلدي ، وقيل : مقدمهم وسابقهم في الدنيا والآخرة « 1 » ، وجاز العطف بين الأمرين مع اتحاد اللفظ لاختلاف جهتيهما ، لأن الأمر بالإخلاص وتكليفه شيء آخر والأمر به ليكون المأمور أسبق في الدين شيء آخر « 2 » فلا يكونان واحدا يمنع العطف . [ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 13 إلى 15 ] قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 13 ) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي ( 14 ) فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ ( 15 ) ( قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي ) أي إن أشركته ( عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) [ 13 ] أي من أن ينزل علي عذاب يوم القيامة ، ثم أمره أن يهددهم بقوله ( قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ ) قدم المفعول لإفادة التخصيص ( مُخْلِصاً لَهُ دِينِي ) [ 14 ] أي توحيدي من الشرك والرياء ، فاقتدوا بي في هذا الإخلاص وإن لم تقتدوا بي ( فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ ) من الآلهة وفي تخييرهم توبيخ وتهديد شديد لهم ، قيل : منسوخ بآية السيف « 3 » ، لا يقال في القولين تكرير « 4 » ، أي في قوله « قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ » الآية وقوله من قبل « قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ » الآية ، لأنه في الأول مأمور من اللّه باحداث عبادته بالإخلاص وفي الثاني إخبار عن نفسه أنه يخص اللّه بعبادته دون غيره فلا تكرير ، إذ الكلام أولا واقع في نفس الفعل وثانيا فيمن يفعل الفعل لأجله ، ولذا رتب عليه قوله « فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ » ، ونزل حين قال المشركون للنبي عليه السّلام خسرت بأن خالفت دين آبائك « 5 » ( قُلْ ) يا محمد ( إِنَّ الْخاسِرِينَ ) أي الكاملين في الخسران ( الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ ) بفوات الجنة ودخول النار ( وَ ) خسروا ( أَهْلِيهِمْ ) وهم المعدون لهم في الجنة من الحور والولدان لو آمنوا بعدم وصولهم إليهم ( يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ ) أي الخسران ( هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ ) [ 15 ] أي الظاهر في غاية الفظاعة حيث خسروا أهليهم في الجنة . [ سورة الزمر ( 39 ) : آية 16 ] لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ ( 16 ) ( لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ ) أي أطباق ( مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ) أي فرش من النار ( ذلِكَ ) أي الذي ذكرت من العذاب ( يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ ) المؤمنين ليتقوه واجتنبوا مما يوقعهم في ذلك العذاب ، ويدل عليه قوله ( يا عِبادِ فَاتَّقُونِ ) [ 16 ] أي لا تتعرضوا لما يوجب سخطي . [ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 17 إلى 18 ] وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ ( 17 ) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ ( 18 ) ونزل في أبي ذر وسلمان وزيد بن عمرو وفي كل موحد في الجاهلية « 6 » ( وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا ) أي امتنعوا وبعدوا عن عبادتهم ( الطَّاغُوتَ ) وهو الوثن ، قوله ( أَنْ يَعْبُدُوها ) بدل من « الطَّاغُوتَ » ( وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ ) أي رجعوا إلى عبادة اللّه ، وقوله ( لَهُمُ الْبُشْرى ) خبر المبتدأ وهو « الَّذِينَ » والبشري البشارة بالثواب عند حضور الموت وحين يحشرون ( فَبَشِّرْ عِبادِ [ 17 ] الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ ) من اللّه بالياء وتركها « 7 » أراد من هؤلاء العباد الذين
--> ( 1 ) نقل المصنف هذا المعنى عن الكشاف ، 5 / 156 . ( 2 ) آخر ، ح : - وي . ( 3 ) وهذا الرأي مأخوذ عن القرطبي ، 15 / 243 ؛ وانظر أيضا هبة اللّه بن سلامة ، 77 . ( 4 ) تكرير ، وي : تكريرا ، ح . ( 5 ) ولم أجد له مأخذا في المصادر التفسيرية التي راجعتها . ( 6 ) عن ابن زيد ، انظر الواحدي ، 305 ؛ والبغوي ، 5 / 9 . ( 7 ) « عباد » : قرأ السوسي بزيادة ياء بعد الدال مفتوحة وصلا ساكنة وقفا ، وقرأ يعقوب باثبات الياء وقفا ، والباقون بحذفها مطلقا . البدور الزاهرة ، 275 .